اسماعيل بن محمد القونوي
130
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أوانه لا من جهة مجرد أو أنه علم أنه زمان ظهور خوارق العادات وأنت خبير بأنه بعد ما شاهد عليه السّلام ظهور الولد من العاقر فما الحاجة إلى هذا البيان وإنما اخر دعاءه عن ذلك تحريا لوقت الإجابة ومكانها وهو من عادة المقربين « 1 » ومختار السالكين ( وقيل لما رأى الفاكهة في غير أوانها انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ فسأل وقال : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [ آل عمران : 38 ] ) . قوله : ( لأنه أي لم يكن على الوجوه المعتادة وبالأسباب المعهودة ) الولادة المذكورة لأن تاء المصدر ليست بمختصة في التأنيث والوجوه المعتادة هي كون الرجل غير بالغ إلى حد الهرم وكون المرأة شابة ولودة ذات حيض غير منقطعة الحيض والكل منتف هذا . قوله : ( إنك سميع الدعاء مجيبه ) معنى مجازي مشهور للسمع بعلاقة اللزوم إذ السمع يؤدي إلى الإجابة ويستلزمه وهو ثناء يستجلب الاستجابة كأنه قيل إنك كلما دعوتك استحيت لي وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة فهو ح يكون كقوله في سورة مريم وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [ مريم : 4 ] أو المعنى إنك سميع دعاء كل داع والاستجابة عادة لك وهو توسل أيضا لدخوله تحت العموم دخولا أوليا والأول أولى لأن العموم يحتاج إلى تقييد وتخصيص بأن دعاءه جامع لشروط الإجابة . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 39 ] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قوله : ( أي من جنسهم ) أي وصل إليه النداء من جنسهم دون غيرهم من الأجناس يعني غير عن الواحد الغائب بلفظ الجمع تعظيما كما عبر في الواحد المتكلم بلفظ الجمع ويحتمل أن يكون المراد أن اللام للجنس فيضمحل معنى الجمعية فيشمل الواحد وغيره قيل الظاهر إنه أراد بالملائكة واحدا منها فيكون من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء مجازا وهذا عين ما ذكرناه لكن الأولى أنه من قبيل التشبيه أي شبه الواحد من هذا الجنس قوله : أي من جنسهم وإنما أوله به لأن المنادي واحد منهم لا جمع فلما أسند النداء إلى الجمع فلا بد له من تأويل وهو أن يكون لمعنى اتاه النداء من هذا الجنس كما يقال فلان يركب الخيول وإنما يركب واحدا منها والمراد يركب من هذا الجنس وكذا يركب في السفن ولا يركب إلا في سفينة واحدة والمراد بالخيل الكثير ولا يستعمل الخيل والإبل ونحوهما إلا في الكثير فإنها من أسماء الجموع قيل فيه نظر فإن هذا إنما يصح إذا أريد واحد بعينه والمراد ههنا واحد معين وهو جبريل عليه السّلام ولعل الصواب أن يكون من إطلاق الجمع على الواحد لتعظيم ذلك الواحد كما في قوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً [ النحل : 120 ] أقول والأنسب أن يكون هذا من باب إسناد فعل البعض إلى الكل كما في قولك بنو فلان قتلوا زيدا والقاتل واحد منهم .
--> ( 1 ) كما أخر يعقوب عليه السّلام استغفاره ودعاءه لبنيه إلى وقت السحر أو يوم الجمعة .